الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

312

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

ولا يضرّ ضعف سند كثير منها بعد كونها متظافرة متكاثرة ، بل متواترة . والإجماع بل ضرورة الدين أيضا قائمة عليه ، وما قد يقال بإمكان استنادها إلى ما ذكر من الروايات ، لا يصغى إليه إذا بلغ الحكم من الوضوح إلى حدّ الضرورة . وأمّا من العقل ، فهو أيضا واضح ، لأنّ قبحه من المستقلات العقلية ، ولكن قد يظهر من بعض الأكابر الوسوسة بل الإنكار في إطلاق حكم العقل به ، فقال : لا يحكم العقل بحرمة الكذب بعنوانه الأوّلي مع قطع النظر عن ترتّب المفسدة والمضرّة عليه ، وكيف يحكم العقل بقبح الإخبار بالأخبار الكاذبة التي لا تترتّب عليها مفسدة دنيوية أو أخروية « 1 » . ولكن الإنصاف أنّ حرمة الكذب عند العقلاء ليست لمجرّد المفاسد المترتّبة عليها ، مضافا إلى أنّه يوجب سلب الاعتماد والاطمئنان بين الأفراد الذي هو الحجر الأساس للمجتمع الإنساني ، وأي شخص يشكّ في قبح فعل من يذكر في حقّ أبيه آلافا من المناقب مع أنّه لم يكن فيه شيء منها بل كان فيه ما خالفها لمجرّد أنّه لا تترتّب عليه أيّة مفسدة . لا سيّما إذا شاع ذلك بين الناس ، فالعقلاء يذمّون مثل هذا الشخص ، بل مع قطع النظر عن التبعات فانّه يوجب وهن شخصيّة صاحبه وحقارته في نفسه وسقوطه عن أعين الناس ، وبالجملة لا ينبغي الشكّ في قبحه عقلا وان كانت بعض الحالات الطارئة قد تستوجب حسنه كما سيجيء إن شاء اللّه . هذا مضافا إلى إمكان القول بحرمته بحكم العقلاء مضافا إلى حكم العقل ، بأن يقال إنّ بناءهم قائم على تحريمه ، والأحكام العقلائية كثيرا ما تدور مدار المصالح والمفاسد الغالبة لا الدائمة كما في أحكام الشرع ، فكثيرا ما تكون المصلحة أو المفسدة بعنوان الحكمة لا العلّة في حكم العقلاء ، وحيث أنّه يوجب الفساد غالبا حكموا بمنعه دائما ، فتأمّل . المقام الثّاني : في كون الكذب من الكبائر مطلقا أو في الجملة : لا شكّ أنّ كثيرا من مصاديق الكذب من الكبائر ، كالكذب على اللّه ورسوله ، والذي يظهر

--> ( 1 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 385 .